الأحلاس السراء الدهيماء

روى أبوداوود وأحمد حديث عبدالله بن عمر الذي صححه الحاكم والذهبي : “كنا عند رسولِ اللهِ ﷺ قعودًا ، فذكر الفتنَ ، فأكثر ذكرَها ، حتى ذكر فتنةَ الأحلاسِ .فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ وما فتنةُ الأحلاسِ ؟

قال : هي فتنةُ (هرَبٍ وحرْبٍ) ثم فتنةُ (السَّرَّاءِ) دخَنُها مِنْ تحت قدمَي رجلٍ مِنْ أهلِ بيتي ، يزعمُ أنه مِنِّي وليس مِنِّي ، إنما وليِّيَ المُتَّقُونَ ، ثم يصطلحُ الناسُ على رجلٍ كورِكٍ على ضِلَعٍ ، ثم فتنةُ (الدُّهَيماءِ) لا تدَعُ أحدًا مِنْ هذه الأمةِ إلا لطَمتْه لطمةً ، فإذا قيل انقطعتْ تمادتْ ، يُصبِحُ الرجلُ فيها مؤمنًا ويُمسى كافرًا ، حتى يصيرَ الناسُ إلى فُسطاطَينِ : (فُسطاطُ إيمانٍ لا نفاقَ فيه) و (فُسطاطُ نفاقٍ لا إيمانَ فيه) ، إذا كان ذاكم فانتظِروا الدجَّالَ مِنَ اليومِ أو غدٍ”



نبه الحديث إلى أنه يسبق خروج الدجال ثلاث فتن :



1- الأحلاس

2- السراء

3- الدهيماء





أولا : فتنة الأحلاس :

وهي جمع (الحلس) ، هو بساط يوضع بين ظهر البعير والراكب ، ويرمز للحاجز والفاصل بين شيئين. 


وأقرب تشبيه لذلك هو الحدود بين الدول .


ولدينا ثلاثة حروب على الحدود :


1- الإيرانية العراقية (1980) ، على حدود شط العرب ، حيث كانت المنطقة للعراق قبل عام (1975) ، وبعد اتفاقية الجزائر ، تعهد الشاه بعدم مساعدة الثوار الأكراد في العراق، في مقابل تنازل العراق عن حقوقه في الشط .


2- الكويتية العراقية (1990) ، على حقل (رميلة) النفطي المشترك والذي يقع على حدود البلدين


3- الأمريكية العراقية (2003) مع أن سببها زعم وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق ، إلا أنها إمتداد للحرب الثانية 


وصف الحديث (فتنة الأحلاس) بأنها عبارة عن (هرب وحرب) : وفي كل الحروب الثلاثة كان الجيش العراقي ينسحب رغم إنتصاره ، وقدرته على المواجهة . لكن تقديم (هرب) على (حرب) في الحديث يشير بوضوح للحرب الثانية ، عندما فرت الحكومة الكويتية بالكامل إلى السعودية (هرب) ، تبعها الـ(حرب) بعد ستة أشهر . لكن على وجه العموم سمة كل الحروب الثلاث هي الـ(هرب) و الـ(حرب) ، حيث كانت كلها حروب عبثية ، لا طائل من ورائها ، لكن تكلفتها وتبعاتها كانت ثقيلة 



ثانياً : فتنة (السراء) : 


أولاً من يتسبب بها :


يقول الحديث بأن “دخَنُها مِنْ تحت قدمَي رجلٍ مِنْ أهلِ بيتي يزعمُ أنه مِنِّي وليس مِنِّي إنما وليِّيَ المُتَّقُونَ”.


دخنها يعني دخانها ، ويقصد التسبب بإثارتها . حيث أنها تخرج من تحت قدمي رجل من أهل البيت

   

   
الرئيس صدام ذكر في ظهور تلفزيوني له أنه من آل البيت ، وأن جده سيدنا الحسين . وهو ما يؤكده كتاب (القبائل العراقية) ليونس إبراهيم السامرائي ، وأحمد الجوعاني رئيس المجمع العالمي لآل البيت في دمشق ، وكذلك الحديث ، حيث أن الحديث يؤكد أنه من آل البيت ، لكنه يردف أنه ليس من الرسول ، بمعنى أنه ليس من أتباعه ، وأن أتباعه هم المتقون .


 هذا إن كان الحديث يتحدث عن زماننا في المقام الأول ، وعن الرئيس صدام ، وطبعاً قد لا يكون كذلك ، لكن هذه محاولة للتفكير والتأمل ، وصدام عند ربه الآن ، وسواء ترحمنا عليه أو لعناه فأمره ليس بأيدينا ، وإنما بيد الله ، وهو الذي سيحاسبه ، على الملايين التي تسبب بموتهم ، والذين هم غالبيتهم من شعبه الذي عانى من مغامراته طوال عهده الذي دام لـ٣٢ عام ، لم ينعموا فيها بالسلام فيها سوى لعامين


ثانياً : رجل يفرض السلام في المنطقة المتأججة بحروب الحدود :

  

وهو “ثم يصطلحُ الناسُ على رجلٍ كورِكٍ على ضِلَعٍ” ، (الورك) هو العظم فوق الفخذ. أما الضلع فهو عظم القفص الصدري ، والورك على ضلع تعني الشيء الذي ليس في مكانه ، فالورك يدعم عظمة الساق المتحركة ، أما الإضلاع فثابتة ، فلو وضع ورك على ضلع لن يكون متزن ، ولدينا في الكويت وصف للشخص غير المتزن ، وهو أنه (رقلة) ، وهذا وصف دقيق للرئيس الأمريكي (بوش) الإبن ، الذي أنهى حكم الرئيس العراقي ، وحروب الحدود في المنطقة.


ثالثاً : فتنة السراء ذاتها:


المراد بالسراء هي الظروف التي تسر الناس من رخاء وغيره. ومع ذلك فالحديث يصفها بأنها فتنة ، فإذاً هي أمر سيء

  

وعندما نتحدث عن رخاء سيء ، نحن نتحدث عن التضخم ، وهو خلل إقتصادي ، وهذا بدأ في الـ٢٠٠٣ ، بسبب عدم مواكبة الموارد للنمو الكبير ، الذي بدأ بعد سقوط بغداد ، ودخول المليارات إلى أمريكا من دول الخليج (دفع تكاليف الحرب) ومن العراق ذاته ، وطباعة دولارات مقابل هذه المدفوعات ، وكمية العمران والمواد التي إستهلكتها القوات الأمريكية في العراق والمنطقة ، الأمر الذي ساهم بارتفاع أسعار النفط ، والعقارات والمواد وكل شيء تباعاً ، مع وفرة النقد وإنخفاض قيمته في مقابل المواد ، مما أفضى للتضخم الذي ما زلنا نعاني منه.



ثالثاً : (الدهيماء).


 (الدهيماء) هي تصغير للـ(الدهماء) ، والدهماء تعني شدة السواد ، فدهماء الليل هي ذروة ظلمته ، والحصان الأدهم هو كامل السواد ، ويقال في اللغة للجموع : سواد الناس ، ويكفيك أن تنظر في صور مظاهرات الناس أبان الربيع العربي لتفهم سبب تسمية هذه الفتنة بـ(الدهماء) 

  


 أما تصغيرها في الحديث (دهيماء) فقد يكون تحقيراً وذماً لها ، ويكفيك أن ترى تبعاتها في سوريا وليبيا واليمن وغيرها من بلاد كانت ترفل بالأمن والإستقرار لتفهم سبب ذمها في الحديث.


أما (لا تدع احداً من هذه الأمة الا لطمته) فيعني أن أذاها سيطال كل المسلمين ، أذى جسدي ، نفسي ، مادي ، وغيره . وهذا يدل على أن هذه الفتنة ستكبر وتنتشر ولن تقتصر على البلدان التي وقعت فيها الثورات.


أما : (فإذا قيل إنقضت تمادت) يدل على طول أمد هذه الفتنة ، حتى يمل الناس إنتظار نهايتها. وهذا وصف دقيق لحالنا اليوم ونحن نتابع ما يحدث في سوريا ، وأحياناً تميل الكفة للنظام وحلفائه فنقول إنتهى أمر المعارضة ، وتارة تتقدم المعارضة والجماعات المسلحة فنقول إنتهى النظام ، لكن لا شيء ينتهي : (فإذا قيل إنقضت تمادت)


(يصبح الرجل فيها مؤمناً و يمسي كافراً) وهذه إشارة لفتنة التكفير التي إستفحلت في السنوات الأخيرة ، حيث يوصف المرء بأنه كافر ويتم إخراجه من دائرة الإيمان بين يوم وآخر ، وأعني بذلك الصراع السياسي الديني ، فهذه الثورات إشتعلت بسبب مطالبات بالإصلاح ، لكنها تحولت إلى صراع ديني سياسي ، بسبب صعود نجم الجماعات الإسلامية المسلحة في ظل أفول السلطة ، وثانياً بسبب التدخل الخارجي على أساس مذهبي ، إما لحماية أبناء المذهب ، أو لحماية مقدسات ، أو لفرض نفوذ مذهبي ، وهذا ما تسبب بإستفحال الصراع المذهبي ، من أعلى المستويات حتى أدناها . تأمل في قوله ﷺ : (لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته)


النتيجة : ( حتى يصير الناس إلى فسطاطين ، فسطاط إيمان لا نفاق فيه ، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) اي أن نتيجة هذه الفتنة ستكون انقسام المسلمين إلى معسكرين (الفسطاط : معسكر) : مؤمنين ومنافقين


وهذه هي النتيجة النهائية للفتن الثلاث ، وقوله : (فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد) يوضح أن الفتن السابقة كانت بغرض التمحيص والفصل بين المسلمين ، والصراع المذهبي الحاصل يدل على هذا الفصل التام والمواجهة 


فلنفكر في الفتن ، أولاً (الأحلاس) ، صراع الحدود الذي بدأ بالحرب العراقية الإيرانية ، حيث كان الناس قبلها لا يعرفون الفرق بين الشيعي والسني ، لكن توظيف الدين في الصراع على الحدود أشعل أول شرارة المواجهة بين المذهبين ، ثم جاءت الفتنة الثانية (السراء) وتم توظيف المال في هذا الصراع المذهبي ، ثم جاءت الفتنة الثالثة (الدهيماء) وأخرجت الجماعات المسلحة التي تقاتل على المذهب بكل علانية ، فكل الفتن الثلاث لعبت دوراً جوهرياً في تأجيج الصراع المذهبي ، وأفضى ذلك إلى الفصل التام بين المسلمين
وقد لا يقصد بالفسطاطين المذهبين ذاتهما ، وإنما المتشددين والمعتدلين بداخل المذهبين ، فالمتشددين الذين يكفرون أبناء المذهب الآخر يفعلون ذلك من منطلق سياسي دنيوي وليس ديني ، وإنما يتم الإستدلال بالدين لإستباحة دماءهم ، فبذلك يكون المتشددين التكفيرين من المذهبين هم فسطاس ، والمعتدلين الذين لا يكفرون الآخرين الفسطاط الآخر 


وقد يكون الفسطاطين أمر آخر 


وأخيراً ، قوله : (فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد) في نهاية الحديث تخبرنا أن الأمور بعدها لن تعود كسابق عهدها أبداً بعد هذه الفتن الثلاث

Advertisements

3 أفكار على ”الأحلاس السراء الدهيماء

  1. هذا فيديو عبدالله السلوم يشرح فيه الانهيار الاقتصادي العالمي، هل توافق على ما يقول بان اليهود سيفتعولون (جوبيلي) شميتا مضاعف لاسقاط امريكا
    1

    2

    إعجاب

  2. انت لا تعلم بضبط كيف تدهورت الأمور و تحولت الي ربيع عربي مزعوم لذلك اتقي الله في بعض كلماتك اللهم إنك غيرت اسلوبك بسب
    خوفك من السلطة فهذا لا الومك فيه لك الحق ان تخاف منهم

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s