وعلى الثلاثة الذين خلّفوا

تبدأ قصتنا عند عودة الرسول ﷺ من غزوة تبوك ، وتوافد المتخلفين يعتذرون بشتى أنواع الأعذار ، والرسول يقبل منهم ويكيل حقيقة أمرهم إلى الله

وكعب بن مالك ينتظر دوره مع المتخلفين ، حتى جاء دوره فتبسم الرسول في وجهه تبسم الغاضب (جرب أن تفعل ذلك لتعرف أثر ذلك على كعب وأنه يفترض به أن يثنيه عن قول الحق خوفاً من التأنيب) لكن كعب كان صادقاً مع نفسه ، فأخبر الرسول أنه تخلف بلا عذر ، وأنه نادم ، فأمره الرسول أن يذهب حتى يقضي الله فيه


وهكذا نجا الكاذب ، وعوقب الصادق ، لكن الكاذبين لا أهمية لهم ، أما الصادق فيقسو الله عليه ، لأنه ليس كأي أحد ، ولا يعامل معاملة أي أحد ، وكما يقال غلطة الشاطر بألف ، فلا تنزعج عندما يقسو الله عليك بينما ترى من هم أسوأ منك يعيثون بلا عقاب ، بينما تعاقب لأقل هفوة ، فذلك دليل أنك تنتمي لفئة كعب


  


عموماً ، أمر الرسول الناس بعدم مخاطبة كعب ، ثم بعد أربعين يوم وهو يمشي ويبتعد عنه الناس كالمصاب بمرض معدي ، ويكلمهم فلا يردون عليه ، ويتحاشون النظر إليه عندما يمر بجانبهم ، أمر الرسول إمرأته بمفارقته


فذهب عنه آخر شخص كان يكلمه على وجه الأرض


وهو في حاله تلك ، يواجه ضغوط الندم والوحدة ، والقلق من طول أمد هذا الوضع الصعب ، وإلى متى سيطول ، هل سيستمر أشهر أم سنين ، إذ بمنادي يبحث عنه في السوق ، ففرح ، فقد يكون الفرج قد حان 


فإذ بالمنادي نبطياً قدم من الشام برسالة من ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم يخبره أنه علم بوضعه وأنه إذا ذهب إليه فسيكرمه ويعتني به


وهكذا فوق البلاء الذي هو فيه ، بدأ أعداء الإسلام يستميلونه ، لابد أن نفسه ساورته بالذهاب وترك هذا الوضع البائس ، والإنتقام منهم جميعاً على مقاطعته ، لأنه كان صادقاً ، بينما يمشي الكاذبين بالطرقات يخاطبهم الناس ويضحكون معهم


  


لكنه كعب لم يكن من هذا النوع ، فألقى الرسالة بالنار ، وصبر عشرة أيام طويلة سوداء أخرى قبل أن تنزل آية ((وعلى الثلاثة الذين خلّفوا)) تبشره بعفو الله عنه


فأعطى الذي بشره بثيابه التي يرتديها ، وإستعار أخرى وذهب رأساً إلى الرسول فسأله: يا رسول الله، أمن عندك أم من عند الله؟

قال: «لا بل من عند الله، إنكم صدقتم الله فصدقكم الله».


القصة جميلة وفيها تفاصيل يمكن أن أتكلم فيها على مدى أيام ، لكن ما يهمنا هو : يمكنك أن تعتذر كما شئت : ((لا أستطيع ، لم أقدر ، الآخرين يفعلون هذا ، أخشى ذلك)) لكن إعلم أنه لا ينجيك إلا الصدق مع نفسك ، وقد يقسو الله عليك لاحقاً ، لأنك عندما تصدق مع نفسك تخرج من دائرة الهامشيين وتدخل في زمرة المهمين عند الله ، وهنا سيكون عليك أن تصبر ، وتتذكر كعب 

  


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s