بأية حال عدت يا عيد

كان المعتمد بن عبَّاد ملك الأندلس ، وكان في عز ونعيم وتتبعه حاشية وحرس أينما يذهب 


ولكن لما لاح خطر جيش ألفونسو ملك قشتالة لم يخاطر بأرواح شعبه وبلده ، واستعان بقائد المرابطين يوسف بن تاشفين الذي كان واضحاً في ردّه (الملك العقيم والسيفان لا يجتمعان في غمد) ويعني أنه سيساعده بشرط التنازل له عن الملك ، فرجاه أتباعه الرفض ، فقال : «والله لا يُسمَع عني أبداً أني أعدتُّ الأندلس دار كفر، ولا تركتها للنصارى، فتقوم عليَّ اللعنة في منابر الإسلام مثل ما قامت على غيري»


كان بإمكان ابن عباد أن يتشبث بملكه كما يفعل رؤساء هذه الأيام ، وأن يضرب البشر والبلد والأعراض والإسلام والعروبة وكل شيء بالحائط ، وهو على كرسيه جالساً يضع رجلاً على رجل


لكن ابن عباد لم يفعل هذا ، فتنازل عن عرشه ، فعبر المرابطون البحر ، وسحقوا جيش ألفونسو في معركة الزلاقة ، وأخذوا ابن عباد مكبلاً بالحديد وألقوا به في سجن بمراكش ، بعيداً عن وطنه ، فلم يمنّوا عليه حتى برؤية بلده من خلف قضبان سجن


عموماً هذا ليس موضوعنا ، كما قلت ؛ ألقى المرابطون ابن عبّاد في سجن بمراكش يدعى (أغمات) ، وفي صبيحة يوم عيد فطر نفس يومنا هذا ، دخلت عليه بناته في السجن يعايدنه ، وكن بهيئة بائسة ، فلما رأى ذلك أنشد: 



فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا


وكان عيـدك باللـذات معمـورا


وكنت تحسب أن العيـد مسعـدةٌ

فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمـار جائعـةً


في لبسهنّ رأيت الفقر مسطـورا
معاشهـنّ بعيـد العـزّ ممتهـنٌ 


يغزلن للناس لا يملكن قطميـرا
برزن نحـوك للتسليـم خاشعـةً


عيونهنّ فعـاد القلـب موتـورا
قد أُغمضت بعد أن كانت مفتّـرةً 


أبصارهـنّ حسيـراتٍ مكاسيـرا




يطأن في الطين والأقدام حافيـةً 


ًتشكو فراق حذاءٍ كـان موفـورا

قد لوّثت بيـد الأقـذاء اتسخـت 


كأنها لم تطـأ مسكـاً وكافـورا
لا خدّ إلا ويشكو الجدب ظاهـره


وقبل كان بماء الـورد مغمـورا
لكنه بسيـول الحـزن مُختـرقٌ 


وليس إلا مع الأنفاس ممطـورا
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه 


ولست يا عيدُ مني اليوم معـذورا




وكنت تحسب أن الفطـر مُبتَهَـجٌ


فعـاد فطـرك للأكبـاد تفطيـرا



قد كان دهرك إن تأمره ممتثـلاً


لما أمرت وكان الفعـلُ مبـرورا



وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ


فردّك الدهـر منهيـاً ومأمـورا



من بات بعدك في ملكٍ يسرّ بـه 


أو بات يهنأ باللـذات مسـرورا
ولم تعظه عوادي الدهر إذ وقعت


فإنما بات في الأحلام مغرورا

الصورة لقبره وقبر زوجته في مدينة أغمات بمراكش


 مع إن الموضوع والصور مأساوية  


إلا أن هناك شيء جميل ، وهو إجتماع السنة والشيعة في هذا العيد ، عسى أن يوحدنا الله ولا يجعل في قلوبنا غلاً على بعضنا ، وأن يرد كيد من يريد بأوطاننا شراً ، وتقبل منكم صيامكم وصالح أعمالكم وجعلكم من عتقاء شهره الفضيل وكل عام وأنتم بخير 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s